الشيخ محمد رشيد رضا

418

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ملة إبراهيم الحنيفية السمحة التي كان عليها سائر الأنبياء من ذريته - ومن قبله أيضا - يؤيده قوله تعالى ( 2 : 130 وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ؟ ( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 131 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 132 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 133 ) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) يؤيد هذا قوله تعالى حكاية عن يوسف ( 12 : 37 إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 38 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) فهذه الآيات يصدق بعضها بعضا ويؤيده ، وكلها برهان على ما حققناه . واما قوله تعالى في آخر سورة الحج ( 22 : 78 وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ . هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا . لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) فالظاهر أن قوله فيه « مِلَّةِ إِبْراهِيمَ » * منصوب على الاختصاص ، اي الزموا ملة أبيكم إبراهيم ، وهي التوحيد الخالص والاخلاص للّه الذي هو معنى الاسلام . وعلم منه ان لفظ الملة يراد به أصل الدين وجوهره دون ما يتبع ذلك من الشرائع وتفاصيل الاحكام . ومنه قول العلماء : الكفر ملة واحدة . مع الجزم بأن شرائع الكفار مختلفة ومتعددة قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً * اي ولو شاء تعالى ان يجعلكم أيها الناس أمة واحدة ذات شريعة واحدة ومنهاج واحد في سلوكها والعمل بها لفعل ، بأن خلقكم على استعداد واحد ، وألزمكم حالة واحدة في اخلاقكم وأطوار معيشتكم ، بحيث تصلح لها شريعة واحدة في كل زمن . وحينئذ تكونون كسائر أنواع الخلق التي يقف استعدادها عند حد معين كالطير أو النمل أو النحل . وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ اي ولكن لم يشأ ذلك بل جعلكم نوعا ممتازا